صفحات مشرقة من التاريخ العربي.. كيف تنبأ العرب بتقلبات المناخ؟ | Soft4sat Forums
قديم 2016-09-04, 16:16
رقم المشاركة : 1  
الصورة الرمزية iyad05
iyad05
:: مشرف ::
على المنتديات الــعامة
افتراضي صفحات مشرقة من التاريخ العربي.. كيف تنبأ العرب بتقلبات المناخ؟

صفحات مشرقة من التاريخ العربي.. كيف تنبأ العرب بتقلبات المناخ؟



هنالك القليل من الدراسات والبحوث التي نشرت عن البيئة عند العرب, إلا أننا نجد القليل جدًا من هذه المؤلفات والنشريات اهتمت بالأنواء والتنبؤ بها وخاصة عن مفهومها في تراث العرب.
اهتم العرب في الجزيرة العربية وبلاد الرافدين وبلاد النيل منذ القدم بأثر الأنواء وعلاقتها بالعوامل البيئية والمناخية, والتي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في حياة الإنسان وصحته ورزقه وعمليات الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني, كتحديدهم للبروج ورصدهم للكواكب والنجوم وإطلاقهم مسميات لها مازالت مستخدمة حتي يومنا الحاضر, وكذلك ربطهم حوادث كل يوم من أيام السنة بالكواكب والبروج واكتشافهم للنظام الستيني فجعلوا لمحيط الفلك 360 درجة والساعة 60 دقيقة والدقيقة 60 ثانية, وعدد أيام السنة 360 يوما, كما نجد أن معظم أسماء أشهر السنة هي أسماء ذات أصول عربية.
لذلك نجدهم حدّدوا اثنى عشر برجا في السماء, والتي مازالت لم تزد أو تنقص حتى يومنا الحاضر على الرغم من تطوّر العلوم على اختلاف تخصّصاتها, وطابقوا بين السنة القمرية والفلكية ووضعوا جداول لحركات الشمس والقمر وحركتهما في السنة والشهر واليوم.

بل واعتقدوا بوجود علاقة بين حياة الإنسان ومعبوداتهم القديمة مع الظواهر الفلكية التي اعتبروا جزءًا منها الأنواء التي عرفوها في زمانهم منذ الألف الثالث قبل الميلاد, مما أدى أيضا مع أواخر الألف الثالث وبدايات الألف الثاني قبل الميلاد إلى ربط الطالع وكل ما يعتريه من مشاكل مع الكواكب والبروج ، وأوقات ظهورها في الجزيرة العربية, سواء في شمالها ببلاد الرافدين أو في جنوبها بأرض اليمن, لتشهد هذه المرحلة بداية ظهور أحكام الكواكب والبروج في حياة الإنسان وعلاقتها بالأنواء والمناخ والتقلبات الجوية وغيرها من العوامل البيئية الأخرى, وهو أمر مازال متوارثا لدى شعوب منطقتنا وما جاورها من الشعوب الأخرى بل وامتد تأثيرهم إلى أبعد من ذلك حتى وصل الهند والصين وأوربا.
وتؤكّد هذه الحقيقة ما كان سائدًا في بعض أجزاء الجزيرة العربية ومنها النصوص البابلية المكتوبة على رقيم طيني مازال محفوظا في المتحف البريطاني يعرف باسم (رقيم الزهرة) ويعود تأريخه إلى فترة حكم الملك البابلي (آمي - صادوقا) والذي حكم بلاد الرافدين سنة 1646 - 1626 قبل الميلاد, ومن هذه النصوص نذكر الفقرة المقتبسة التالية: إذا اختفى في اليوم الحادي عشر من الشهر الثاني كوكب الزهرة في الشرق, وبقي بعيدا عن السماء لمدّة شهرين وسبعة أيام ، وبعد ذلك يظهر الكوكب في الغرب في اليوم التاسع من الشهر العاشر فإن الحصاد سوف يكون جيدا من الناحية الاقتصادية.

الإنسان وعلاقته بالنجوم:

لم يقف شعب الجزيرة العربية وسكان بلاد الرافدين الذين يعتبرون امتدادًا تاريخيا وجغرافيا وحضاريا, عند هذا الحد, بل نجد أنهم مع بداية الألف الأول قبل الميلاد راقبوا الأنواء وثبتوا علاقتها بالكثير من العوامل البيئية ، ومنها الفيضانات فوضعوها في نصوص تكاد تكون الدستور لأفضل الظروف الملائمة لحياة الإنسان وصحته ومعاشه, بل وكان لذلك علاقته الوثيقة بمواقع النجوم والبروج ، وخير دليل عليه رحلة الشتاء والصيف التي كان أهل الجزيرة العربية يعتمدون عليها وكأنها خرائط جغرافية دون أن تكون البوصلة مكتشفة لديهم, وكذلك عند إبحار الأجداد في البحار قديما حيث كانوا أسياده دون أن يكون الاسطرلاب قد اكتشف بعد.

بل ما يؤكد تفوّق العرب في مجال الأنواء, حينما أراد أبرهة بعد احتلاله لليمن أن يحتل مكة المكرمة فلم يتمكن ومستشاروه من استدلال الطريق من خلال معرفة مواقع الكواكب والبروج فاستعان بأحد الأعراب وهو أبو رغال ليكون دليله إلى بيت الله الحرام, وأن من جعل الجزيرة العربية عصيّة على أعدائها هذا الأمر أيضا منذ القدم, وكذلك الحال بالنسبة للبحار ومعارفها الواسعة للخوض في غمارها.
لذلك, أخذ هذه المعرفة الإغريق والرومان ونسبوها لأنفسهم ، وزعموا أنها ليست بجديدة عليهم, فهناك الكثير من الاكتشافات والإبداعات لأهل الجزيرة العربية وعلى طول امتدادها الجغرافي في مجال الطب والكيمياء والفلك والفلاحة وغيرها من العلوم نسبها الإغريق والرومان لأنفسهم كما هو الحال أيضا مع اكتشافات البروج والكواكب والأنواء وأسس علم المنطق والفلسفة وغيرها, خاصة بعد سقوط بابل واحتلال أجزاء من شمال بلاد الرافدين من قبلهم, وكذلك الحال مع مصر حيث احتلّها الرومان خلال الفترة نفسها تقريبا.
من هذه النصوص التي اعتمدت بشكل أساسي على التنبؤ الجوي والمناخي وعلاقتهما بالكواكب والبروج وهو ما يعرف اليوم بالتنبؤ المناخي أو الجوي والتي تتطابق في العديد من جوانبها مع نصوص الرقم الطينية وكتاب الفلاحة النبطية,ومن النصوص المسروقة نذكر على سبيل المثال وليس الحصر ما يلي:

1 - إذا ظهر في بداية موسم البرد (يقصدون هنا فصل الشتاء) والكوكب عطارد أو الزهرة في جهة الشرق فسوف يسقط مطر وفير.
2 - إذا ظهر في بداية موسم الحر أي شهر مارس (يقصدون هنا نهاية فصل الشتاء وبداية فصل الربيع) وكوكب عطارد أو الزهرة في جهة الغرب, ففي هذه السنة سوف يأتي الفيضان.
3 - عندما يكون كوكب المشتري في برج الأسد والكوكب زحل في برج الدلو, يمكن القول إن مطرا غزيرا ومياها عالية سوف تحل في جميع البلاد, فتزيد القوّة الشرائية عند الناس وتحل الوفرة في محاصيل الحبوب.

كما أن من كان على معرفة بمناخ شمال الجزيرة العربية وبلاد الرافدين سيجد هذا الكلام متطابقا بشكل كبير مع ما هو سائد في منطقتنا. وهناك - غير ذلك - الكثير من النصوص التي اقتبسها الآخرون ونسبوها لأنفسهم وجميعها نصوص تتحدّث عن أحكام الكواكب والبروج وغيرها وعلاقتها بالأنواء كالمطر وسقوطه والفلاحة والزروع, أي أن أهل الجزيرة العربية سبقوا الإغريق والرومان في وضع أساسيّات الكثير من العلوم ومنها علم الأنواء والتنبؤ بالعوامل البيئية والمناخية, إلا أنّ الآخرين ومنهم الكثير من المستشرقين كانوا ومازالوا ينكرون هذه الحقائق لأسباب واهية متعصّبة.
منازل القمر:
واستمر هذا التطور في علوم الأنواء وسبل التنبؤ بها عند العرب يتناقل مشافهة خلال الأحقاب المتلاحقة عند شعب الجزيرة العربية الذين كان لديهم اهتمامات كبيرة بالأنواء والكواكب والبروج خلال الفترات التي قبل وبعد ميلاد نبي الله عيسى (عليه السلام) وحتى فترة ظهور الإسلام, فقد جعلوا للقمر منازل قسّمت على عدد أيام الشهر القمري والبالغة ثمانية وعشرين يومًا بما يتلاءم وطبيعة الأنواء السائدة في المنطقة وعلى اختلاف أشهر السنة القمرية لمعرفة أحوال المناخ والعوامل الجوية والطبيعية وتأثيراتها على الصحة والطالع والضرع وأحوال الزرع, بل وذكروها في أشعارهم ومعلقاتهم لتتوارثها الأجيال بعد ذلك.
بعد ظهور الإسلام تجلى اهتمام القرآن الكريم بالأنواء والكواكب والبروج في آيات عدة نورد بعضها في دراستنا هذه وهي:
" والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ".
" فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ".
" هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر قد فصّلنا الآيات لقوم يعلمون .



"هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصّل الآيات لقوم يعلمون ".
"إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتّقون" .
ومن خلال ذكر آيات عن منفعة الكواكب والنجوم والشمس والقمر والبروج, زاد اهتمام العرب بالفلك ابتداء من فترة الخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية والدولة الإسلامية في الأندلس, فازداد الإبداع العلمي عند العرب في هذا المجال.
ففي أيام الدولة العباسية ظهرت اهتمامات كبيرة بعلم الأنواء وعلاقتها بالمؤثرات الطبيعية وتأثيراتها على حياة الإنسان ومعيشته وبيئته, فوضعوا جداول خاصة لبعض الكواكب الثابتة كما في كتاب (الكواكب الثابتة) والذي كان مزوّدًا بالرسوم الملوّنة للأبراج وبقية الصور السماوية والفلكية المتمثّلة لأشكال الإنس والحيوان وعلاقاتها ببيئة الإنسان وصحته والزراعة والنبات والمحصول والظروف الملائمة لوفرتها أو شحّتها. وإن أهم الكتب التي تتحدّث عن أهمية الأنواء والتنبؤ بها هو كتاب (الأنواء في مواسم العرب) الذي ألفه ابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276 هجرية, ثم تحدث عن الأنواء والتنبؤ بها في الفلاحة بشكل تفصيلي كتاب (الفلاحة النبطية) الذي يعود تاريخه إلى الألف الأول قبل الميلاد كما ذكر ذلك مؤلفه ابن وحشية المتوفى سنة 291 هجرية, إلا أن بعض هذه الأنواء والتنبؤ بها وجدتها لم تخل من بعض حالات التنجيم والسحر التي رفضها الإسلام جملة وتفصيلا.
فقال ابن خلدون في مقدّمته عن إبطال صناعة النجوم وضعف مداركها وفساد غايتها: هذه الصناعة يزعم أصحابها أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها من قبل معرفة الكواكب وتأثيرها في المولدات العنصرية مفردة ومجتمعة.
أي أن ابن خلدون لم يكن متّفقا مع أهل هذه الصنعة (صنعة التنجيم), وكان يعتقد أن هناك وجودا لتأثير الأنواء والكواكب والبروج في الكائنات الحيّة, فقال: إن دلالة الكواكب على ذلك دلالة طبيعية من قبل مزاج يحصل للكواكب في الكائنات العنصرية, قال لأن فعل النيّرين وأثرهما في العنصريات ظاهر لا يسع أحدا جحده مثل فعل الشمس في تبدّل الفصول وأمزجتها ونضج الثمار والزرع وغير ذلك, وفعل القمر في الرطوبات والماء وإنضاج المواد المتعفّنة وفواكه القثاء وسائر أفعاله.

علم الأنواء:
ومع تطوّر العلوم عند العرب تطوّر مفهوم الأنواء, فاستمرّوا في اهتماماتهم بعلوم الأنواء مع إهمالهم لجانب التنجيم لدى أغلبهم إن لم نقل باستثناء قلّة قليلة, فنجدهم اعتمدوا الأساليب العلمية والتجارب العملية وعلاقتها بالأنواء والكواكب والبروج وخاصة في بلاد أهل الأندلس وهذا ما نجده في كتاب زهرة البستان للحاج الغرناطي وفي كتاب الفلاحة الأندلسية لابن العوام الإشبيلي, لذلك نجد أن هذين العالمين الجليلين اتفقا مع ما ورثاه من أصولهما العربية في مجال الأنواء, فذكرا أن للسنة أربعة فصول ابتدآها من الربيع, وكل فصل منها جعلا له تسعين يوما أي ثلاثة بروج وأنهما استخدما نظريّة الطبائع الأربعة نظير الطبائع الأربعة الموكلة بالكبد والمعدة وعلاقتهما بالعوامل البيئية من حرارة ورطوبة وضوء ومطر وغيرها, والظواهر الطبيعية من برق ورعد وسحب ورياح وغيرها.
كما جعل العرب فصول السنة على أربعة هي الربيع والصيف والخريف والشتاء ، أي جعلوا لكل فصل من هذه الفصول ثلاثة بروج أيضا, أي أن تقطع الشمس 90 درجة من درجات القبّة السماوية. فأول الربيع حلول الشمس برأس الفلك, وهو برج الحمل وأول الصيف حلول الشمس برأس برج السرطان, وأول الخريف بدايته بحلول الشمس برأس برج الميزان, وأول الشتاء حلول الشمس برأس برج الجدي.
وكذلك تفسيرهم لأحكام هذه الأنواء والبروج على حياتهم ومعاشهم وأفضل الظروف في اعتدال الهواء وظهور المراعي وتكاثر الماشية وكثرة اللبن والسمن. أي أن العرب لم يكونوا مؤمنين بأحكام الدجل والتنجيم, وإنما مارسوا التطبيق العملي لحقيقة الأنواء وحساب مواقيتها لإنجاح حياتهم ومعاشهم واستمرارها.


المصدر الأصلي للموضوع: منتديات سوفت الفضائية | Soft4sat Forums

إضافة رد
 

مواقع النشر (المفضلة)


صفحات مشرقة من التاريخ العربي.. كيف تنبأ العرب بتقلبات المناخ؟


« الرق في الإسلام | تاريخ دمشق لــ"ابن عساكر" »

أدوات الموضوع



الساعة الآن 13:05
المواضيع و التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتديات سوفت الفضائية
ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ( ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر )
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc