قديم 2011-11-12, 02:19
رقم المشاركة : 1  
jalal77
:: صديق المنتدى ::
ديون اليورو: أزمة مال تتحول إلى أزمة سياسية تفترس زعامات أوروبا

ديون اليورو: أزمة مال تتحول إلى أزمة سياسية تفترس زعامات أوروبا



ديون اليورو: أزمة مال تتحول إلى أزمة سياسية تفترس زعامات أوروبا



تتحول أزمة الديون الأوروبية رويدا رويدا إلى أزمة سياسية، يتهاوى أمام عنفها زعماء منطقة اليورو كأوراق الخريف، كما تعد تداعيات الأزمة في ذات الوقت المسرح السياسي الأوروبي الذي اتسم بالهدوء والاستقرار طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية إلى الدخول في موجة اضطرابات ضخمة على الصعيد الاجتماعي - السياسي وعلى الصعيد المالي الاستثماري وعلى الصعيد النقدي - المصرفي. وبالتالي فالأزمة المالية تتجه نحو التحول إلى أزمة سياسية تهدد ليس فقط تفكك منطقة اليورو ولكن كذلك الاستقرار السياسي والاجتماعي في القارة بأكملها. على صعيد الزلزال السياسي في منطقة اليورو، يمكن ملاحظة أن الأزمة المالية أوجدت عدم قناعة جماهيرية في القيادات السياسية أو النخب الحاكمة عبرت عنها عواصم أوروبا بدرجات متفاوتة في المظاهرات والاحتجاجات الصاخبة. وتحولت تلقائيا أزمة المال إلى أزمة ثقة في الحكومات المنتخبة ديمقراطيا، حيث أدت أزمة الديون إلى تنحي رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو من كرسي الحكم بعد إعلان الاستفتاء على بقاء اليونان أو خروجها من منطقة اليورو. وإن كان باباندريو قد كسب تصويت الثقة الذي جرى على حكومته بنسبة ضئيلة، إلا أنه لم يكسب ثقة الاستمرارية لقيادة دفة اليونان في ظل الأزمة المالية الطاحنة التي تعيشها.

وفي روما، حيث تواجه إيطاليا أزمة ديون تقدر قيمتها بنحو 1.9 تريليون يورو وترتفع نسبة الفائدة على قروض التمويل التي تصدرها الحكومة في شكل سندات إلى 7.35%، تحولت الأزمة المالية إلى أزمة سياسية، وواجهت حكومة رئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني شروطا قاسية من دول منطقة اليورو تطالبها بإقرار حزمة تقشف ضخمة حتى تتفادى الوقوع في مصيدة الإفلاس وتحتاج إلى حزمة إنقاذ. ويلاحظ أن نسبة الفائدة على القروض الإيطالية التي تصدرها الحكومة في شكل سندات دين لتمويل الإنفاق بلغت يوم أمس 7.35%، لتفوق بذلك نسبة الـ7.0% التي دفعت كلا من اليونان وآيرلندا والبرتغال إلى طلب الإنقاذ حتى لا تقع فريسة للإفلاس. ورغم المراوغات السياسية التي أجراها الزعيم الملياردير برلسكوني للنجاة من حبل «المشنقة السياسية»، فإن الضغوط والتهديدات الداخلية من المعارضة الإيطالية والضغوط الخارجية من قادة منطقة اليورو أجبرته في النهاية على اتخاذ قرار التنحي وإن لم يحدد متى ولكن بالتأكيد قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة في إيطاليا.

وفي باريس التي أقرت خطة تقشف خلال هذا الأسبوع، وافقت حكومة الرئيس نيكولا ساركوزي على خفض الإنفاق الحكومي بنحو 100 مليار يورو (140 مليار دولار) خلال السنوات المقبلة حتى عام 2016، ويواجه الرئيس ساركوزي احتمال السقوط في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة إذا قرر خوضها، رغم ضعف خصمه الاشتراكي والتحسن الذي أظهره استفتاء للرأي أخيرا وأظهر أن 37% من الجمهور الفرنسي يؤيدونه.

وفي إسبانيا بدأت يوم الجمعة الماضي المعركة الانتخابية لاختيار مجلس نيابي جديد في العشرين من الشهر الجاري وتشير جميع الاستطلاعات التي أجريت حتى الآن إلى نصر كبير يحققه حزب الشعب المعارض ذو التوجهات المحافظة (بي بي). وستجرى الانتخابات وسط الانتقادات الحادة التي وجهت لإدارة الأزمة على يد رئيس الحكومة الاشتراكية الحالية خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو. ورغم أن موعد الانتخابات البرلمانية التي كان مقررا إجراؤها في مارس (آذار) 2012 قدمت 4 أشهر تحت وطأة الأزمة الاقتصادية وتفاقم مشكلة البطالة التي وصلت حدا غير مسبوق في البلاد، فإن فرص الحزب الاشتراكي الذي يتزعمه ثاباتيرو في الفوز بالانتخابات القادمة تبدو ضئيلة في وقت وصل فيه عدد العاطلين عن العمل إلى 5 ملايين عاطل.

وحتى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي يحسب لها في ميزان حسناتها أنها حافظت على قوة الاقتصاد الألماني تحت وطأة هذه الرياح العاتية التي تهب من بروكسل وتنتهي دائما بتحميل دافع الضرائب الألماني فاتورة ضخمة لإنقاذ الدول المتعثرة، قد لا تنجو من أزمة الديون.

بناء على هذه النتائج والتداعيات التي ظهرت في المسرح السياسي الأوروبي، يلاحظ أن أزمة الديون بدأت تغير الزعامات الأوروبية التقليدية وربما تفتح المجال لظهور قيادات جديدة أكثر قربا من الشعب وأكثر وعيا بعمق الأزمة المالية وتنازلاتها الاجتماعية. ولكن الكثير من المحللين يعتقدون أن آثار الأزمة ربما لا تقف عند حد التغيير السياسي الديمقراطي، إذا لم تتمكن دول الاتحاد الأوروبي وتحديدا دول منطقة اليورو من إيجاد حل حقيقي وواقعي يتعاطى مع جذور الأزمة من الناحيتين المالية والسياسية.

من الواضح أن أزمة الديون مزقت إزار الوحدة الذي تدثرت به الدول الأعضاء في منطقة اليورو لأكثر من 10 سنوات. حيث منحت الدول الـ17 الأعضاء في الاتحاد النقدي انطباعا كاذبا للعالم طوال هذه السنوات أنها دول متوحدة وقوية ومتضامنة. ولكن حينما واجهت حقيقة تحدي أزمة الديون ظهر الوجه الحقيقي لمنطقة اليورو، اتضح أنها مكونة من دول غير موحدة كما بدا للعالم وأنها متنافرة ومتناقضة على الصعيد السياسي والاقتصادي.


أظهرت الأزمة أن الدول الأعضاء في الوحدة النقدية في مفترق طرق إما أن تبقى متوحدة وإما أن تتفكك وترجع إلى ما كانت عليه أوروبا قبل الستينات من القرن الماضي. وهذا يعني إما أن تتوحد منطقة اليورو وتندمج أكثر لتقبل التحول إلى دولة واحدة فيدرالية، مثلما هو الحال في الولايات المتحدة الأميركية، بمعنى أن يصبح لديها وزير مالية واحد وحكومة واحدة مثلما لديها عملة واحدة (اليورو» وبنك مركزي واحد (البنك المركزي الأوروبي)، وإلا فسيكون من الصعب حل أزمة الديون في ظل حكومات متعددة كل واحدة لديها حرية القرار في الإنفاق وتخطي الحواجز والحدود المالية التي أقرتها المفوضية الأوروبية.

ولكن لماذا تكون هنالك صعوبة في حل الأزمة؟ صحيح أن الديون الأوروبية ضخمة تبلغ أكثر من 4 تريليونات دولار ولكن ببساطة المسألة التي تواجهها أوروبا حاليا ليست أزمة مال فحسب، بقدر ما هي أزمة ثقة في القيادات السياسية وأزمة ثقة في وحدة القرار الأوروبي، خاصة في منطقة اليورو. فالحزمة المالية التي أقرتها دول اليورو في السابع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي شكلت نقطة انطلاق لحل الأزمة، حيث إنها تعاطت مع 3 محاور رئيسية، تهم المستثمرين وأسواق المال ودول أوروبا الضعيفة ماليا.

ويلاحظ أن الأسواق تجاوبت مع هذه الخطة، حيث ارتفعت أسواق المال في أنحاء العالم في اليوم الأول والثاني، بعضها سجل ارتفاعا بنسبة تجاوزت 6%، كما انخفض بشكل كبير سعر الفائدة على سندات اليورو. وفي أنحاء العالم بدأ قادة الدول التي لديها فوائض فتح دفاتر شيكاتهم لتمويل الخطة وأعد المسرح في قمة العشرين التي عقدت في نهاية الأسبوع المنصرم لتمويل الخطة والبدء عمليا في حل أزمة ديون اليورو. ولكن المشكلة كانت في القيادة السياسية الأوروبية، حيث أعلن رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو، فجأة ودون تشاور مع زملائه الأوروبيين، أنه سيجري استفتاء على خطة الإنقاذ وشروط التقشف التي صاحبتها كما سيتضمن الاستفتاء سؤالا جوهريا حول ما إذا كان اليونانيون يرغبون في البقاء في منطقة اليورو أم لا. وبالتالي زرعت عملية الاستفتاء الشكوك داخل أوروبا وخارجها حول جدية قادة منطقة اليورو وصلابة الوحدة النقدية، كما شككت في مستقبل بقاء منطقة اليورو ووحدة القرار السياسي الأوروبي. وكانت النتيجة أن أحجم قادة العالم عن تمويل خطة الإنقاذ التي أعدت أساسا لإنقاذ اليونان ومساعدة دول أوروبا الضعيفة على تمويل الإنفاق بسعر فائدة منخفض ورفع معدل كفاية البنوك الأوروبية التي قبلت طواعية إعفاء 50% من ديونها على اليونان.

لقد كانت خطة الإنقاذ التي أقرها قادة منطقة اليورو في نهاية أكتوبر الماضي خطة مثالية، حيث إنها عالجت 3 محاور رئيسية كانت تمثل الصداع الدائم لصناع المال والسياسة في العالم. هذه المحاور هي، أولا: إنقاذ اليونان من الإفلاس وإعفاء جزء كبير من ديونها، نسبة 50% من ديونها المقدرة بنحو 350 مليار يورو (نحو 500 مليار دولار)، وضمان حصولها على تمويل الإنفاق والنمو بسعر فائدة منخفضة يضمنها في ذلك صندوق الاستقرار المالي الأوروبي. وبالتالي فتحت الخطة الباب لليونان للعودة إلى النمو خلال السنوات المقبلة رغم العقبات المتمثلة في تنافسية الصادرات ومسألة الفائدة الأوروبية. هذا على صعيد اليونان.

أما المحور الثاني في الخطة: فهو حل أزمة المصارف الأوروبية التي تحملت جداول موازناتها سندات يورو خطرة هددتها بالإفلاس، بل أفلس بعضها مثل بنك «دكسيا» الفرنسي البلجيكي الذي تم إنقاذه في الشهر الماضي. لقد رصدت الخطة نحو 130 مليار دولار لدعم رساميل البنوك الأوروبية وتعهدت المفوضية الأوروبية بأنها ستسمح لصندوق الاستقرار المالي الأوروبي (كملاذ أخير) بتمويل زيادة رأس المال للبنوك التي تعجز عن توفير التمويل من مواردها الخاصة أو تعجز دولها عن دعمها. وبالتالي تمكنت الخطة من زرع الاستقرار في النظام البنكي الأوروبي الذي واجه خلال الشهور الماضية أزمة ثقة شبيهة بأزمة الثقة التي تلت أزمة المال في أميركا، كما واجه صعوبة بالغة في الحصول على السيولة الكافية لتمويل عملياته التجارية لدرجة اضطرت البنك المركزي الأوروبي إلى التنسيق مع 5 بنوك مركزية عالمية من بينها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبنك إنجلترا (المركزي البريطاني) لتوفير السيولة بالدولارات للبنوك التجارية داخل منطقة اليورو. لقد ساهمت الخطة في بعث الثقة في القطاع المصرفي بمنطقة اليورو الذي عانى طوال العام الجاري من أزمة ثقة أدت إلى سحب المودعين لأموال طائلة منه، خاصة المودعين الكبار من الشركات وصناديق المعاشات الأميركية.

أما المحور الثالث فقد تعاطت الخطة مع عمليات تمويل الإنفاق الحكومي في دول اليورو الآنية والمستقبلية، حيث رفعت أموال صندوق الاستقرار المالي الأوروبي من 440 مليار يورو إلى تريليون يورو (نحو 1.4 تريليون دولار). وهو الصندوق الموكل به مهام شراء سندات الديون الأوروبية إلى جانب البنك المركزي الأوروبي وضمان تسديدها للمشترين. وبالتالي ستمنع الخطة المضاربين من رفع أسعار الفائدة على سندات الدول الضعيفة في السوق المفتوحة، كما ستمنح الاطمئنان للمتاجرين في السندات والأسواق المالية والبنوك أن السندات التي يحملونها في محافظهم ستسدد وبالسعر المتفق عليه دون خصم.

من هذا المنطلق يمكن القول: إن خطة الإنقاذ رغم أنها لم تكن كافية، فإنها كانت مثالية لإعطاء مهلة لمنطقة اليورو التي تحتاج إلى ترتيب بيتها السياسي بما يضمن الاندماج أكثر نحو الوحدة الفيدرالية التي تعد أساسية لنجاح منطقة اليورو. ولكن ضعف القرار السياسي أفسد الخطة كما أفسد تمويلها.

الآن منطقة اليورو تواجه محنة جديدة أكبر وأعظم من المحن التي واجهتها في الماضي، حيث تشارف إيطاليا على الإفلاس بعد أن فاقت نسبة الفائدة على ديونها 7.35% يوم أمس. وإيطاليا تعد الدولة الثالثة من حيث الحجم الاقتصادي في منطقة اليورو، كما أن ديونها تبلغ 6 أضعاف ديون اليونان. وبالتالي فإن إنقاذها سيكون صعبا إن لم يكن مستحيلا. حيث تحتاج إلى تمويل يبلغ نحو 360 مليار دولار للسندات التي استحق أجل سدادها، كما ستحتاج فوق ذلك إلى تمويل الإنفاق في الميزانية وذلك إضافة إلى تمويل خدمة الديون. وبالتالي فإن الأموال المتاحة لصندوق الاستقرار المالي الأوروبي وكذلك المتاحة للبنك المركزي الأوروبي لن تكون كافية. وحتى صندوق النقد الدولي لن يكون قادرا على تمويل احتياجات إيطاليا في الفترة المقبلة. ويرجع السبب في الأزمة الإيطالية إلى القرار السياسي الأوروبي الضعيف وغير الموحد الذي ترك رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني ينفق فوق ما يملك. ورغم أن المفوضية الأوروبية قد وضعت شروط تقشف قاسية لإقناع الأسواق المالية والمستثمرين في السندات الإيطالية هدفت إلى بعث الثقة على أن إيطاليا قادرة على ضبط موازناتها والإيفاء بتعهداتها، ومن ثم تستطيع إيطاليا الحصول على تمويل الإنفاق بسعر فائدة منخفض، فإن الأزمة السياسية في إيطاليا عاقت تطبيق خطة التقشف.

من هذا المنطلق يمكن القول إن أوروبا ستواجه خلال الشهور المقبلة ليالي حالكة ربما تقود إلى استفحال الأزمة المالية وتهدد ليس الوحدة النقدية فحسب، ولكن ربما تمتد تداعياتها إلى كامل النسيج السياسي الاجتماعي الأوروبي وتنسف النظام المصرفي إن لم تتوفر حلول عملية ومقبولة لأزمة الديون في أوروبا.

المصدر الأصلي للموضوع: منتديات سوفت الفضائية | Soft4sat Forums

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc