قديم 2014-10-12, 17:25
رقم المشاركة : 1  
الصورة الرمزية iyad05
iyad05
:: مشرف ::
على المنتديات الــعامة
التربية العنيفة: إضاءة على واقع العنف ضد الأطفال في الحياة المدرس

التربية العنيفة: إضاءة على واقع العنف ضد الأطفال في الحياة المدرس




تقديم.
تعد ظاهرة العنف ضد الأطفال إحدى أبرز سمات الحياة المدرسية المغربية. وإذا كانت هذه الظاهرة قد شغلت في الآونة الأخيرة حيزا كبيرا من اهتمام وسائل الإعلام التي توقفت عند عدد من الحوادث المشينة في هذا الإطار فإنها رغم ذلك لم تنل، في نظرنا، ما يكفي من البحث والدراسة سيكولوجيا وسوسيولوجيا.
إن هذه الحقيقة تجعل من تسليط الضوء على هذه الظاهرة ودراستها ميدانيا مسألة في غاية الأهمية؛ وذلك من أجل التنبيه لخطورتها ومساهمة في الحد منها لما لها من آثار وخيمة نفسيا واجتماعيا، ولما تشكله من مساس بإنسانية الإنسان وكرامته الواردة في قوله عز من قائل: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا." (سورة الإسراء، الآية 70)
ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن هدف هذه الدراسة يتحدد أساسا في رصد واقع العنف ضد الأطفال في المدرسة المغربية وأسبابه، وكذا الوقوف على درجة التقدم الحاصل في جهود احتواء الظاهرة خاصة في مجال الدراسة.


أولا: الإطار النظري للدراسة:

يجد الباحث في واقع الحياة المدرسية نفسه أمام ظاهرة مثيرة هي سيادة وطغيان العنف والسلطوية على العلاقة بين مكوناتها. وإذا كان من المسلم به أن هذه الظاهرة تشكل سياقا شاملا ومعقدا وتندرج ضمن نسق أعم من الأمراض التي تعاني منها المنظومة التربوية فإن التعامل مع الإشكالية التي تطرحها يستلزم تفريعها إلى مجموعة إشكاليات تتناول كل واحدة منها جانبا من جوانبها.

وتشدد الفرضية التي انطلقت منها الدراسة على أن المدرسة المغربية قد فشلت، رغم الجهود المبذولة، في التحول إلى مدرسة تقوم على مبادئ التربية الحديثة وتحترم حقوق الطفل؛ فعلاقة مختلف الفاعلين في الحياة المدرسية بالأطفال لا تزال تقوم على العنف والقهر والسلطوية، والقواعد التي تحكم هذه الحياة لا تساعد في جعل الفضاء المدرسي فضاء يعبر فيه الأطفال عن ذواتهم ويشجعهم على المشاركة الفاعلة؛ كما أن الاستراتيجية الوطنية لمحاربة العنف في الأوساط المدرسية، التي أعدتها وتبنتها الوزارة الوصية سنة 2007، لم تستطع أن تتحول إلى برنامج عمل حقيقي يساهم فعليا في الحد من الظاهرة من خلال خلق الوعي والفعل المطلوبين في صفوف المستهدفين بها.

وقبل أن نعرض للمنهج الذي اعتمدناه في البحث والتحليل، نرى أنه من الواجب أن نتوقف عند ثلاثة مفاهيم أساسية أطرت اشتغالنا في هذه الدراسة لنبرز الدلالة التي بها وظفناها:

1- العنف ضد الأطفال: دلالته، أنماطه ومظاهره في الحياة المدرسية:

العنف في اللغة من عَنُفَ الرجل عُنْفا وعَنَافة بالرجل وعليه: لم يرفق به وعامله بشدة، فهو عنيف. وجمعه عُنُف. وعَنَّفَه: عامله بشدة. والعٌنف والعَنف والعِنف: ضد الرفق وهو الشدة والقسوة. (المنجد في اللغة والأعلام ص: 533) ولا يختلف هذا المعنى اللغوي للعنف عن معناه الاصطلاحي؛ فرغم تعدد التعريفات التي أعطيت له، إلا أنها كلها تجمع على كونه سلوكا اجتماعيا عدوانيا ولا عقلانيا يصدر عن الذات، يُحدث في ذات الآخر أضرارا نفسية أو مادية، الغاية منه استتباعه، أو إرغامه على الاستجابة لمطالب غير مشروعة للذات، أو حرمانه من حقوقه وبالتالي الحط من كرامته وإنسانيته. (شداتي، 2009: 6)

وبما أن الطفولة تتميز عن غيرها من الفئات العمرية باتسامها بالعجز والاعتمادية فإن تعريفنا للعنف ضد الطفل يمكن صياغته على النحو التالي: "هو كل فعل أو امتناع عن فعل يعرض سلامة وصحة الطفل البدنية والعقلية والنفسية والاجتماعية والروحية وعمليات نموه المختلفة للخطر أو يحول دون مشاركته الحرة في الحياة المدرسية أو يجبره على إتيان أو ترك أفعال دون إرادته وبما يمس من كرامته، ويحد من حقوقه."

ويتخذ العنف ضد الأطفال في الحياة المدرسية مظاهر عدة. وقد عملت الدراسة على رصد عدد منها على النحو التالي:

أ‌- اعتماد السلطوية في العلاقات الصفية؛ وذلك من خلال رصد مدى شعور التلاميذ بكونهم مرغمين على الخضوع التام لآراء الفاعلين التربويين ولقواعد معينة في العمل والسلوك وضعت دون مشاركة منهم من جهة، ومدى تعمد الفاعلين تبني هكذا سلوكات من جهة ثانية.

ب‌- الإيذاء البدني؛ وهو مظهر اعتمدنا في رصد درجة انتشاره على مؤشر نسبة تعرض التلاميذ للضرب المتكرر، واعتماد المدرسين على هذا السلوك كقاعدة ثابتة في ممارستهم التربوية.

ت‌- الإيذاء النفسي والحرمان العاطفي؛ عبر التركيز على مؤشرين اثنين هما: نسبة تعرض الأطفال للإبعاد والتخويف، ودرجة انتشار سلوك الشتم والسب في الممارسة التربوية للأساتذة.

ث‌- تعزيز الشعور بالإقصاء والاغتراب في الحياة المدرسية؛ وهو وإن كان يندرج ضمن الإيذاء النفسي للطفل إلا أن خطورته الاجتماعية جعلتنا نولي له اهتماما خاصا في دراستنا هاته. وقد ركزنا في رصده على قياس مدى نجاح المنهاج الدراسي في ملامسة واقع المتعلمين، ودرجة تعارض وضعياته من حيث مضمونها القيمي مع قيم التلميذ الروحية والوجدانية.

ج‌- الرعب الناتج عن نظام التقويم والامتحان؛ وتنبع السمة "العنفية" لنظام التقويم من اقترانه بالتسلط وخلق مزيد من التوتر النفسي في صفوف المتعلمين بحكم اعتماده الأساسي على نظام الامتحان. ففي ظل هكذا نظام يوجه المتعلم كافة جهوده نحو الاستجابة لمعايير الامتحان ومتطلباته بدل اللجوء إلى التكوين المتكامل والمتراكم في ظل ظروف نفسية وعلائقية مريحة ومشجعة. (السورطي، 2009: 28) وهو بذلك يشكل هاجسا يضغط بكامل ثقله على التلاميذ وعلى أسرهم في نفس الوقت. بل إن جو بعض الاسر تنتابه مظاهر الاهتزاز والاضطراب نتيجة عدم نجاح الابناء في امتحاناتهم بالشكل الذي كان يتمناه الآباء حتى إن مصالح الأمن تسجل في فترات الامتحانات شكاوى تتعلق بحالات غياب للأبناء عن أسرهم تفوق بكثير الحالات التي تسجل في الأوقات العادية. (نور الدين، 2005: 131) ولرصد هذا النوع من العنف ومدى انتشاره عملنا على استقراء مشاعر التلاميذ تجاه الامتحانات وكذا درجة اعتماد الأساتذة على نظام أسلوب الامتحان في تقييم الأداء الدراسي للتلاميذ.


ح‌- الإيذاء الجنسي؛ وهو أخطر أنواع الإيذاء التي يمكن أن يتعرض لها الطفل على الإطلاق، وأكثرها إثارة للصعوبات في الرصد والبحث على المستوى الميداني بسبب التكتم الذي يلازم مثل هذه الظواهر في مجتمعات تتهيب من العار والفضيحة وتتحاشاهما. وعموما، ورغم كل الصعوبات، فقد اعتمدنا في اثبات درجة انتشار هذا النمط من العنف على تعريف له يجعله يشمل كل سلوك تلفظي ذي مضمون جنسي يشكل تهديدا للتلميذ في أمنه وسلامته البدنية والنفسية ويجعله تحت الضغط.

2- مفهوم الحياة المدرسية:

يعرف معجم علوم التربية الحياة المدرسية بأنها "مجموع الأنشطة التي يقوم بها التلميذ داخل المدرسة." (غريب،2001: 362) وهذا التعريف رغم وضوحه إلا أنه- في نظرنا- يتسم بالقصور؛ فالمدرسة مجتمع قائم الذات، والتلميذ عندما يقوم بهذه الأنشطة داخل المدرسة، فإنه بذلك يدخل في علاقة تفاعل ضمن نسق تعتمل فيه مجموعة من العناصر والمكونات المترابطة والمتفاعلة فيما بينها، والتي تخضع لسيرورات وقواعد تشكل النظام الضابط لهذا النسق.

بناء على هذا، فنحن عندما نستعمل مفهوم الحياة المدرسية فإننا ننطلق من كونها نظاما نسقيا يضم مجموعة من العناصر والمكونات والأبعاد المتسقة ضمن شبكة من العلاقات ذات الطبيعة التفاعلية. إنها "مجموع العوامل الزمانية والمكانية والتنظيمية والعلائقية، والتواصلية، والثقافية، والتنشيطية المكونة للخدمات التكوينية والتعليمية التي تقدمها المؤسسة للتلاميذ." ( وزارة التربية الوطنية، 2008 : 4)

3- الفاعل التربوي:

الفاعل في اللغة هو الاسم الدال على الذات القائمة بالفعل أو المطلوب منها القيام بالفعل. إنه هو الشخص الذي يقوم بالفعل أو يتلقى الفعل، لذا يمكن تحديد أنماط الفاعل في فئتين متقابلتين: مرسل/متلقي أو ذات/موضوع أو مساعد/ معارض." (غريب، 2001: 8)

وينطلق تحديدنا لمفهوم الفاعل التربوي من كون العلاقات في الحياة المدرسية، كما سبق تعريفها، تتم بين متدخلين لهم أدوار محددة. وعليه، فإننا -ونحن بصدد دراسة ظاهرة العنف ضد الأطفال في الحياة المدرسية- نؤكد أننا عندما نتحدث عن الفاعلين التربويين فإننا نعني بذلك أساسا: التلاميذ، والمدرسين، وأطر الإدارة التربوية، وبشكل غير أساسي يدخل ضمنهم آباء وأولياء التلاميذ وجمعياتهم وذلك بحكم محدودية الأدوار التي يضطلعون بها في واقع الحياة المدرسية.

المصدر الأصلي للموضوع: منتديات سوفت الفضائية | Soft4sat Forums

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc