قديم 2016-05-04, 19:08
رقم المشاركة : 1  
الصورة الرمزية iyad05
iyad05
:: مشرف ::
على المنتديات الــعامة
افتراضي الأسس العلمية للبيداغوجيا المتمركزة حول المتعلم

الأسس العلمية للبيداغوجيا المتمركزة حول المتعلم



لقد كان لعلم النفس المعرفي والمصداقية التي حصل عليها تدريجيا في العقود الأخيرة، الدور الأساسي في بلورة البيداغوجيا المتمركزة حول المتعلم، ولربما كان دوره أقوى من أدوار المجالات الأخرى، فقد تمكنا عن طريق هذا العلم من معرفة طبيعة التعلم والميكانيزمات التي يستعملها العقل في معالجة المعلومات والعمليات الذهنية التي تتحكم في الفهم والذاكرة والتفكير وحل المشكلات وغير ذلك من الأنشطة المعرفية، ولعل أهم ما انتهى إليه هذا العلم الآن حول موضوع التعلم، هو أن الطفل، بل والإنسان بصفة عامة، يعالج المعلومات ويكتسب تعلمه عن طريق البناء الذاتي للمعرفة Auto-construction du savoir ، أي أن المعلومة لا تكتسب في الشكل والمضمون اللذين يقررهما الملقي، بل إن المتلقي يقوم ببناء تلك المعلومة أو يعيد بناءها شكلا ومضمونا.

وفي نفس السياق بينت الدراسات العلمية للدماغ البشري في علاقته بأنشطته التعلمية أن هذا الأخير يتميز بالمرونة : Plasticité والقابلية للتكيف مع المحيط ، والتعديل المستمر لمكتسباته المعرفية: Modifiabilité فهو عبارة عن نظام منفتح ومتفاعل مع محيطه، مما يعني أن التجليات الذهنية (الفكرية) للشخص لا تعبر إلا عن مستوى نموه وتطوره في مرحلة معينة، ولا تكون نهائية، ومن هنا فإنه (الدماغ البشري) قابل للتربية وفي وضعية تعلم دائم ومستمر، ويمكن تحسين أدائه وتطويره مدى الحياة، وأن المعارف Savoirs والمعروفات Connaissance ليست مجرد تسجيل ساكن للمعطيات، فالذات تتدخل بدينامكية فاعلة في بناء معارفها، وهو ما يعبر عنه Daniel Schacter بقوله: "إن ذاكرتنا وهي تستقبل صور العالم..، تعمل بدينامكية، لترتيب وإعادة ترتيب، وبناء وإعادة بناء، وصياغة وإعادة صياغة، ما تستقبله من تأثيرات، مستعينة بما احتوته سابقا من شظايا المعروفات، لتحكم ربط العلاقات والأواصر بين مكونات العالم المختلفة وبين ما لنا من حاجات وأهداف"

ومن نتائج الأبحاث في مجال علوم الخلايا العصبية، أن التمثلات (معارف ومعروفات) من الناحية السيكولوجية مرتبطة بالفعل Action، وأنها في تحققها خاضعة للدافعية Motivation، و ذلك لأن الدماغ على المستوى الكهر- كيميائي لا يقوم ببناء التمثلات في غياب الدافعية وانعدام المحفزات، ومن هنا فإنه لا يمسك من المعارف إلا التي يقوم ببنائها أو يعيد بناءها أثناء تفاعله مع محيطه، وبناء على هذا لا جدوى من كل محاولة تستهدف نقل المعرفة مباشرة إلى الآخر وأن الطريقة السليمة هي مساعدة المتعلم ليقوم بنفسه ولأجل نفسه ببناء وتنظيم وإعادة تنظيم معارفه.

كما أن تقدم الدراسات المتعلقة بوظائف المراكز الدماغية أدى إلى التمييز بين وظائف كل من الفص الأيمن والفص الأيسر للدماغ، فميز دولاغراندري Antoine de la Garanderie تبعا لذلك بين عادتين في التفكير لدى الإنسان Habitudes mentales الأولى سمعية والثانية بصرية، ولذلك فإن الأفراد يختلفون من حيث عاداتهم في التفكير والتذكر واستحضار المعلومات، فبعضهم تسود لديه العادات السمعية، والبعض الآخر تسود لديه العادات البصرية، فالأفراد ذوي العادات السمعية يكونون صورا ذهنية سمعية Images mentales يكون مصدرها الإدراك السمعي، في حين يكون الأفراد ذوي العادات البصرية صورا ذهنية أساسها الإدراك البصري، وتنشأ وتتطور هاتين العادتين منذ الطفولة الأولى للإنسان، ولذلك فهي غير قابلة للتغيير مدى الحياة، فتشكل بذلك السمة الأساسية لشخصية الفرد.

ومن جهتها كشفت الأبحاث المتعلقة بدراسة الذكاء خطأ النظرة التقليدية التي جعلت الممارسة التربوية مقيدة بنظرة ضيقة أحادية الجانب للذكاء، حيث إنها اعتبرت ذكاء المتعلم عبارة عن قدرة واحدة ووحيدة يمكن تلخيصها أو التعبير عنها من خلال رقم معين يصطلح عليه "معامل الذكاء"، كما أن هذه النظرة التقليدية للذكاء ظلت محدودة من حيث المجالات المعرفية التي يتم قياسها أو الاعتماد عليها في تحديد مستوى الذكاء الذي يتوفر عليه الطفل، وهذه المجالات هي: اللغة والرياضيات، وهما المجالان اللذان يطغيان على البرامج المدرسية التقليدية، ومن هنا فإنه من الصعب أن يتمم المتعلمون الضعفاء لغويا أو رياضيا مسيرتهم التعلمية في النظام المدرسي التقليدي.


وتصحيحا لهذا المنظور الضيق، ظهرت في السنوات الأخيرة العديد من الدراسات والأبحاث السيكولوجية، تثبت بكل جلاء أن الذكاء الإنساني يشتمل على مهارات متعددة، فدعت الأنظمة المدرسية إلى مراجعة تعاملها مع المتعلمين، وذلك بمراعاة القدرات المختلفة لديهم وعدم التركيز فقط على المهارات اللغوية والرياضية، ولعل أهم نظرية تذهب في هذا الاتجاه الجديد هي نظرية "الذكاءات المتعددة" التي بلورها الباحث الأمريكي هاورد كاردنر Haward Gardner انطلاقا من أبحاثه الميدانية على مجموعات مختلفة من الأشخاص (الأطفال المتميزين والأشخاص الذين تعرضوا لإعاقات عقلية، الخ..)، فقد توصل إلى استنتاج أن العقل البشري مجزأ إلى قوالب أو مجزوءات Modules، كل واحدة مسئولة عن عمليات ذهنية معينة وذكاءات محددة، ومن خصائص هذه المجزوءات أنها قابلة للصقل عبر التكوين الهادف والسليم، وأن القدرة العقلية عند الإنسان تتكون من ذكاءات كثيرة، وأن هذه الذكاءات مستقلة عن بعضها البعض إلى حد كبير.

وفي مجال علم النفس الاجتماعي أكدت الدراسات الهامة التي قام بها العالم السيميولوجي الروسي فيكوتسكي Vigotsky على أهمية التفاعل بين الطفل وبيئته الاجتماعية في عملية التعلم، من حيث إن ما يميز الكائن البشري عنده هو ميله إلى الاجتماع بحكم طبيعته، فألح بكيفية أساسية على أهمية تدخل الراشد كوسيط في تعلم الطفل ونموه، وهذه الفكرة هي نفسها التي نجدها عند هنري فالون Henri Wallon حين يؤكد أن الفرد البشري "اجتماعي بالوراثة"، والنمو العقلي المعرفي للطفل لا يحصل بطريقة تلقائية كما يعتقد بياجيه Piaget، ولكنه يتوقف إلى حد كبير على الفرص المتاحة للفرد للتفاعل مع الآخرين والاستفادة من خبراتهم ودعمهم.

وقد استندت نظرية فيكوتسكي إلى مجموعة من المصادرات شكلت مصدرا هاما للبحث السيكولوجي المعاصر، وتتلخص مصادرته الأساسية في أن الإنسان كائن نشيط يشارك بشكل فعال في خلق مقومات وجوده، وتقرير مصيره، ويساهم بشكل فعال في تحقيق نموه الذاتي، وذلك لأن كل فرد يتمتع بالقدرة على اكتساب الوسائل التي يستعملها، في كل مرحلة من مراحله النمائية، للتأثير في الذات وفي العالم من حوله، وتترتب عن هذه المصادرة مصادرات فرعية منها:

- لا يمكن للفرد المنعزل أن يحصل على المعرفة، إن العمليات المعرفية هي في الأصل عمليات اجتماعية، وتتحول إلى عمليات سيكولوجية ذاتية أو شخصية من خلال الفعل والمشاركة في نشاط الجماعة، فللبنية المعرفية مضمون اجتماعي.
- لا تحصل المعرفة إلا من خلال الفعل والتفاعل الاجتماعي الذي يعني المشاركة في الأنشطة الاجتماعية / الثقافية، إن السبيل إلى المعرفة هو الفعل والمشاركة.

ولا يفصل فيكوتسكي بين النمو العقلي والتعلم المدرسي، فهما يتبادلان التأثير فيما بينهما، فكما أن مستوى النمو العقلي يحدد القدرة على التعلم فإن التعلم كذلك يساعد على النمو العقلي، إن عملية التعلم المنفتحة بالضرورة على العالم الخارجي تتحول - من خلال استبطان الفرد للمقولات التي تبلورت في المحيط - إلى عملية من العمليات النمائية الداخلية عنده.


المصدر الأصلي للموضوع: منتديات سوفت الفضائية | Soft4sat Forums

إضافة رد
 

مواقع النشر (المفضلة)


الأسس العلمية للبيداغوجيا المتمركزة حول المتعلم


« البيداغوجيا المتمركزة على الأستاذ والبرنامج المدرسي وعيوبها | الوساطة البيداغوجية: La Médiation pédagogique »

أدوات الموضوع



الساعة الآن 06:04
المواضيع و التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتديات سوفت الفضائية
ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ( ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر )
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc