قديم 2016-09-04, 16:13
رقم المشاركة : 1  
الصورة الرمزية iyad05
iyad05
:: مشرف ::
على المنتديات الــعامة
افتراضي الرق في الإسلام

الرق في الإسلام



كلمة عامة في موقف الإسلام حيال هذا النظام، ويَعنون بالرق : وضعًا قانونيًّا يُجرِّد الفرد تجريدًا كاملاً من حريته المدنيَّة، فلا يجوز له إجراء أي عقدٍ ولا تحمُّل أي التزام، ويُنزَع عنه أهلية التملُّك، ويجعله هو نفسه مملوكًا لغيره، ويُنزِله من بعض النواحي منزلة السلعة يتصرَّف فيها السيد كما يشاء، هذا وقد أخذ كثير من باحثي الفرنجة على الإسلام أنه أباح الرقَّ، وأن في هذا هدمًا لمبدأ الحرية المدنية التي تتحدَّث عنها.
وردُّنا على هؤلاء يتلخَّص في نقطتين:
إحداهما: أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تكتنِف العالم الذي ظهر فيه الإسلام كانت تحتِّم على كل شارع حكيم أن يُقِر الرق في صورةٍ ما، وتجعل كل محاولة لإلغائه إلغاء سريعًا مقضيًّا عليها بالفشل والإخفاق.
وثانيهما: أن الإسلام لم يُقِر الرقَّ إلا في صورة تؤدي هي نفسها إلى القضاء عليه بالتدريج (1) .
الظروف الاجتماعية والاقتصادية، التي كانت تكتنِف العالمَ في عصور ظهور الإسلام وعلاقتها بإقرار الإسلام للرق:
ظهر الإسلام في عصر كان نظام الرق فيه دِعامةً ترتكِز عليها جميع نواحي الحياة الاقتصادية، وتعتمد عليها جميع فروع الإنتاج في مختلف أمم العالم، فلم يكن من الإصلاح الاجتماعي في شيء أن يحاول مشرِّع تحريمه تحريمًا باتًّا لأول وهلة؛ لأن محاولة كهذه كان من شأنها أن تُعرِّض أوامر الشرع للمخالَفة والامتهان.
وإذا أتيح لهذا المشرِّع من وسائل القهر والقوة ما يَكفُل به إرغام العالم على تنفيذ ما أمر به، إنه بذلك يُعرِّض الحياة الاجتماعية والاقتصادية لهزةٍ عنيفة، ويؤدي تشريعه إلى أضرار بالغة، لا تقل في سوء مغبَّتِها عما تتعرَّض له حياتنا في العصر الحاضر إذا أُلغي بشكل فجائي نظام البنوك أو الشركات المساهِمة، أو حرِّم استخدام العمال وقضي على كل مالك أن يعمل بيده، أو يبطل استخدام السكك الحديدية أو استخدام البخار، فالرقيق كان بخار الآلة الاقتصادية في تلك العصور.
فإقرار الإسلام للرق كان إذًا تحت تأثير ضرورات اجتماعية واقتصادية قاهرة (2).
الوسائل التي اتخذها الإسلام لتصفية الرق:
لذلك أقرَّ الإسلام الرق، ولكنه أقرَّه في صورة تؤدي هي نفسها إلى القضاء عليه بالتدريج بدون أن يُحدِث ذلك أي أثرٍ سيئ في نظام المجتمع الإنساني، بل بدون أن يشعر أحد بتغيُّر في الحياة، والوسيلةُ التي ارتضاها للوصول إلى هذه الغاية من أحكم الوسائل، وأبلغها أثرًا، وأصدقها نتيجة، وهي تتلخَّص في مسلكين: أحدهما: تضييق الروافد التي تمد الرق وتُغذِّيه وتكفُل بقاءه، بل العمل على تجفيفها تجفيفًا كاملاً.
والآخر: توسيع المنافذ التي تؤدي إلى العتق والتحرير، وبذلك أصبح الرقُّ أشبه شيء بجدول كثرت مصبَّاته، وانقطعت عنه منابعه التي يستمِد منها الماء، وخليق بجدول هذا شأنُه أن يكون مصيره إلى الجَفاف، وبذلك كفَل الإسلام القضاء على الرق في صورة سليمة هادئة، وأتاح للعالم فترة للانتقال يتخلّص فيها شيئًا فشيئًا من هذا النظام، ونذكُر هذين المسلكين على حدة فيما يلي مختصرًا (3).
تضييق الإسلام لروافد الرق:
كانت روافد الرق في العصر الذي ظهر فيه الإسلام كثيرة متنوِّعة، يرجع أهمها إلى ثمانية روافد:
أحدها: انتماء الفرد إلى شَعب مُعين أو طبقة معيَّنة، فمجرد هذا الانتماء كان يجعله رقيقًا في نظر شعوب كثيرة، من بينها العبريون واليونان والرومان والهنود.
وثانيها: الحرب بجميع أنواعها، فكان الأسير في حرب أهلية أو خارجيَّة لا يخرج مصيره عن القتل أو الاسترقاق.
وثالثها: القرصنة والخَطف والسَّبي، فكان ضحايا هذه الاعتداءات يُعامَلون معاملة أسرى الحرب فيُعرَض عليهم الرق، وهذه وسيلة مشروعة، حتى لقد كانت بعض الحكومات نفسها تزاوِلها وتقف على هذا النشاط قِسمًا من أسطولها كما كان الشأن في أثينا في عهد صولون.
ورابعها: ارتكاب بعض الجرائم الخطيرة كالقتل والسرقة والزنا، فكان يُحكم على مرتكِبِ واحدة منها بالرقِّ لمصلحة الدولة أو لمصلحة المجني عليه أو أسرته.
وخامسها: عجز المَدين عن دفْع دَينه في الموعد المحدَّد لدفعه، فكان يُحكَم عليه بالرق لمصلحة دائنه، ودهاقنة هذا هم اليهود ومخترعوه.
وسادسها: سلطة الوالد على أولاده، فكان يُباح له أن يبيع أولاده ذكورهم وإناثهم في بعض الشعوب، وإناثهم فقط في شعوب أخرى، ببعض قيودٍ حدَّدتها القوانين، وخاصة في العِوَز والعُسرة.
وسابعها: سلطة الشخص على نفسه، فكان يُباح للعِوَز أن يتنازَل عن حريَّته ويبيع نفسه لقاء ثمن معين.
وثامنها: تناسُل الرقيق، فكان ولد الأَمَة يولَد رقيقًا، ولو كان أبوه حرًّا، ولو كان أبوه السيد نفسه.
وكانت هذه الروافد تَقذِف كل يوم في تيار الرق بآلاف مؤلَّفة من الأنفس، حتى إن عدد الرقيق كان يزيد على عدد الأحرار زيادة كبيرة في شعوب كبيرة، من بينها العبريون والرومان وعرب الجاهلية، جاء الإسلام وروافد الرق بهذه الكثرة والغزارة والقوة، فحرَّمها جميعًا ما عدا رافدين اثنين، وهما: رق الوراثة: وهو الذي يُفرَض على من تلِده الجارية.
ورق الحرب: وهو الذي يُفرَض على الأسرى، وعمَد إلى هذين الرافدين نفسيهما فقيَّدهما بقيود تكفُل نضوبَ مَعِينهما بعد أمدٍ غير طويل (4) .
تقييد الإسلام لرق الوراثة:
فمن أهم القيود التي قيَّد بها رقَّ الوراثة أنه استثنى منه أولاد الجواري من مواليهم، فقرَّر أن مَن تأتي به الجارية من سيدها يولَد حرًّا، وإذا لاحظنا أن الغالبَ في أولاد الجواري أن يكونوا من مواليهن أنفسهم؛ لأن الأغنياء ما كانوا يقتنون الجواري إلا لمتعتهم الخاصة، تبيَّن لنا أن هذا القيد الذي قيَّد به الإسلام رقَّ الوراثة، وانفرد به من بين جميع الشرائع التي كانت تبيح الرق - كفيلٌ بوقف العمل على هذا الرافد نفسه ونضوب مَعِينه بعد أمدٍ غير طويل (5) ، وقد استثنى الإسلامُ كذلك من هذا المورد من تأتي به المدبَّرة والمكاتبة وأم الولد بعد التدبير والمكاتبة والاستيلاد، على ما سيأتي.

تقييد الإسلام لرق الحرب:
ومن أهم القيود التي قيد بها المورد الثاني، وهو رقُّ الحرب، أنه استثنى منه الذين يؤسَرون في حرب بين طائفتين من المسلمين، فهؤلاء لا يُضرَب عليهم الرق، سواء أكانوا من الطائفة الباغية أم من الطائفة الأخرى (6) .
أما الحروب الأخرى، وهي التي تكون بين المسلمين وغيرهم، فلا تؤدِّي إلى رق من يؤسرون فيها إلا بشروط كثيرة، من أهمها أن تكون الحرب مشروعة؛ أي: يُجيزها الإسلام، وتُنفَّذ وَفْق قوانينه، ويُعلنها خليفةُ المسلمين، فإذا لم تكن كذلك، فإنها لا تؤدي إلى رقِّ مَن يؤسرون فيها، وحتى مع توافُر هذه الشروط، فإن الإسلام لا يجعل الرقَّ نتيجة لازمة للأسر، بل يُبيح للإمام أن يَمُن على الأسرى بدون مقابل، أو يُطلِق سراحَهم في نظير فدية أو عمل يؤدونه، أو في نظير أسرى من المسلمين عند العدو، أو في نظير جزية تُفرَض على رؤوسهم (7) ، بل إن القرآن قد تحاشى أن يذكر هذا من بين الأمور التي يباح للإمام أن يُعامِل بها الأسرى، واقتصَر على ذكر المَنِّ أو الفِداء، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ [محمد: 4]، وفعْلُ الرسول في غزواته يدلُّ على إيثاره المنِّ أو الفِداء على الاسترقاق، ومن هنا يظهر أن الإسلام قد سلَك حيالَ رقِّ الحرب المسلَك نفسه الذي سلكه حيال رقِّ الوراثة، فقد قيَّده بقيود تكفُل القضاء عليه، فهو لم يجعله نتيجة لازِمة للأسر، ولا يكون إلا عند المعاملة بالمِثل؛ أي: عندما يَسترِقُّ الأعداء أسرى المسلمين، فلإمام المسلمين أن يسترقَّ أسرى الأعداء، وهو مسلَك لم يرغب فيه الإسلام، بل رغَّب في غيره وفضَّله عليه (8) .
هذا ما فعله الإسلام حيال روافد الرق: ألغاها جميعًا، ما عدا رافدين اثنين: قيَّدهما بقيود تكفل نضوب معينهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
1 ـ حقوق الإنسان في الإسلام، الدكتور: علي عبدالواحد وافي، ص: 200، 201 ط. دار نهضة مصر الخامسة سنة 1398هـ - 1979 م.
2 ـ حقوق الإنسان في الإسلام ص: 201، حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة ص: 96، 97 بتصرف، والإسلام والاستبداد السياسي.
3 ـ المصدر السابق (ص: 201، 202) بتصرف، وسماحة الإسلام (ص: 209، 210) بتصرف.
4 ـ حقوق الإنسان في الإسلام (ص: 202- 204)، ونظام الرق في الإسلام، عبدالله ناصح علوان (ص: 11، 12) بتصرف، ط. دار السلام الثانية سنة 1404هـ - 1984م.
5 ـ حقوق الإنسان في الإسلام (ص: 183- 187) بتصرف، وبدائع الصنائع؛ للكاساني وص: 125 ط الخانجي سنة 1910، ونظام الرق في الإسلام ص: 62، 63 بتصرف، أنت تسأل والإسلام يجيب؛ للشيخ عبداللطيف المشتهري (ص: 52، 53) بتصرف ط. دار الاعتصام الأولى سنة 1393هـ - 1973م.
6 ـ بدائع الصنائع (7: 141) بتصرف.
7 ـ البدائع (7: 10، 102، 110، 119).
8 ـ حقوق الإنسان في الإسلام (ص: 204- 207) بتصرف، وحقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة (ص: 99 ،100) بتصرف.

المصدر الأصلي للموضوع: منتديات سوفت الفضائية | Soft4sat Forums

إضافة رد
 

مواقع النشر (المفضلة)


الرق في الإسلام


« الشرطة في النظام الإسلامي.. أهميتها وشروط صاحبها | صفحات مشرقة من التاريخ العربي.. كيف تنبأ العرب بتقلبات المناخ؟ »

أدوات الموضوع



الساعة الآن 14:48
المواضيع و التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتديات سوفت الفضائية
ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ( ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر )
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc